علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
21
الصداقة والصديق
يعتقد . التّوحيدي أنّ الصّداقة عاطفة اصطفائية ، وفضيلة إنسانية يصعب تحقيقها على الغالب ، وهي ككل عاطفة أساسية مرتبطة بصميم الحياة الشعورية تتفرع عنها جملة من الفضائل الخلقية والسلوكية تضمن لها البقاء والنماء « كالعشرة والمؤاخاة والألفة وما يلحق بها من الرعاية والحفاظ والوفاء والمساعدة والنصيحة والبذل والمواساة والجود والتكرم » . إن وجود هذه الفضائل يساعد على تكوين الصّداقة وتوسّعها وحمايتها من صدمات الحياة وتشابك مصالحها وتداخل منافعها . تلك هي الناحية الإيجابية في الصّداقة ، وثمة عناصر سلبية مصدرها النفس الإنسانية ذاتها ، تفسد الصّداقة وتحمل إليها بذور الانحلال كالخلاف والهجر والعتب والمذق والرّياء والنّفاق والحيلة والخداع والالتواء والاحتجاج » ، إلى غير ذلك من الآفات النفسية التي تحول دون تحقق الصّداقة وارتفاع الصديقين إلى مستوى العلاقة السامية البعيدة عن الشوائب وعوامل الفساد . على أن التوحيدي لم يقف عند حد ذكر الأمور النظرية بل عمد إلى إيراد ظاهرة واقعية شاهدها بنفسه ، وهي تمثل بنظره أسمى ما وصلت إليه الصّداقة العملية بين إنسانين ممتازين بفضائلهما وعلمهما وصفائهما الخلقي والنفسي ، محاولا استخلاص عناصر الصّداقة المثالية على ما بين هذين الصديقين من فوارق المشاغل العقلية والمهنية والاختصاص والمنشأ وتدخل الطوالع والفلك في الربط بينهما . قال : « قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني : إني أرى بينك وبين ابن سيّار القاضي ممازجة نفسية ، وصداقة عقلية ، ومساعدة طبيعية ، ومواتاة خلقية فمن أين هذا ؟ وكيف هو ؟ » . ويجيب أبو سليمان قائلا : « يا بنيّ ! لقد اختلطت ثقتي بثقته بي فاستفدنا طمأنينة وسكونا لا يرثّان على الدّهر ، ولا يحولان بالقهر ، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة ، ومظاهر غريبة ،